المقال الرابع
لماذا تستمر في التعلم؟
التعلم المستمر بين الفطرة والبقاء والاستثمار في الإنسان .
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[سورة طه: الآية 114]
وقيل : اطلبوا العلم من المهد الى اللحد .
منذ أن وُلد الإنسان، بدأت رحلته مع التعلم.
فالطفل يتعلم كيف يمشي، وكيف يتكلم، وكيف يتعامل مع من حوله. ثم يكبر، فيتعلم القراءة والكتابة، ويتعلم مهنة، ويكتسب خبرة، ويواجه الحياة بما تعلمه.
إذن فالتعلم ليس شيئًا غريبًا عن الإنسان . التعلم جزء من فطرته.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا نتوقف عن التعلم عندما نكبر ؟ هل انتهاء الدراسة يعني انتهاء التعلم؟ وهل الشهادة التي حصلنا عليها منذ سنوات تكفي لمواجهة عالم يتغير كل يوم ؟
الجواب ببساطة : لا.
فالحياة نفسها تتغير، والعمل يتغير، والتكنولوجيا تتغير، واحتياجات الإنسان تتغير.
ولهذا أصبح التعلم المستمر ضرورة ، وليس مجرد اختيار .
♦ أولًا : التعلم من الفطرة .
إذا تأملنا حياة الإنسان ، سنجد أن التعلم يبدأ معه منذ طفولته . الطفل لا يولد وهو يعرف كيف يتحدث أو يمشي أو يكتب .
إنه يراقب، ويسأل، ويجرب، ويخطئ، ثم يحاول من جديد .
وهذه الطريقة لا ينبغي أن تنتهي عندما يصبح الإنسان بالغًا .
فالإنسان الذي يتوقف عن التعلم يتوقف تدريجيًا عن تطوير نفسه .
أما الإنسان الذي يحافظ على فضوله ورغبته في المعرفة ، فإنه يبقى قادرًا على اكتشاف أشياء جديدة حتى في مراحل متقدمة من عمره .
لذلك يمكننا أن نقول : ما دام الإنسان حيًا ، فهناك دائمًا شيء جديد يمكنه أن يتعلمه .
♦ ثانيًا : التعلم وسيلة للبقاء والتكيف .
العالم الذي نعيش فيه اليوم ليس هو العالم الذي عاش فيه آباؤنا وأجدادنا.
الأدوات تغيرت . طرق العمل تغيرت . وسائل التواصل تغيرت . المهن تغيرت .
والتكنولوجيا دخلت تقريبًا في جميع مجالات الحياة .
ومن لا يواكب هذه التغيرات قد يجد نفسه أمام أشياء جديدة لا يعرف كيف يتعامل معها .
خذ مثالًا بسيطًا :
كان الإنسان يحتاج إلى الذهاب إلى الإدارة لإنجاز كثير من الإجراءات .
اليوم أصبحت خدمات كثيرة متاحة عبر الإنترنت .
ومن لا يعرف استعمال الهاتف أو الحاسوب قد يجد صعوبة في الاستفادة من هذه الخدمات .
وهنا يصبح التعلم وسيلة من وسائل التكيف مع الحياة .
ليس المقصود أن نعرف كل شيء .
بل أن نكون مستعدين لتعلم ما نحتاج إليه عندما يتغير العالم من حولنا .
التعلم لا يمنع التغيير ، لكنه يمنحك القدرة على التعامل معه .
♦ ثالثًا : التعلم استثمار في نفسك .
عندما يستثمر الإنسان ماله في مشروع ، فإنه ينتظر أن يعود عليه هذا الاستثمار بفائدة .
لكن هناك استثمار آخر قد يكون أكثر أهمية : الاستثمار في الإنسان نفسه .
عندما تتعلم لغة جديدة ، فأنت تضيف مهارة إلى نفسك .
عندما تتعلم استعمال الحاسوب ، فأنت تفتح أمامك أبوابًا جديدة .
عندما تتعلم الذكاء الاصطناعي ، فأنت تكتسب أداة جديدة .
عندما تتعلم مهارة مهنية ، فأنت تزيد قدرتك على العمل .
وعندما تقرأ وتتعلم ، فإنك توسع طريقة تفكيرك وفهمك للحياة .
ولهذا فإن المال الذي تنفقه على تعلم شيء نافع ليس بالضرورة مصروفًا . قد يكون استثمارًا في مستقبلك ♦
ليس المطلوب أن تتعلم كل شيء .
من الأخطاء التي تجعل الإنسان يتوقف عن التعلم اعتقاده أنه يجب أن يتعلم كل شيء . وهذا مستحيل .
ليس المطلوب أن تصبح خبيرًا في البرمجة والاقتصاد والطب واللغات والهندسة في الوقت نفسه.
المطلوب أن تسأل نفسك : ما الشيء الذي أحتاج إلى تعلمه الآن ؟
♣ إذا كنت تبحث عن عمل ، تعلم مهارة يحتاج إليها سوق العمل .
♠ إذا كنت صاحب مشروع ، تعلم ما يساعدك على تطوير مشروعك .
♣ إذا كنت تستخدم الهاتف ، تعلم الأدوات التي توفر عليك الوقت .
♣ إذا كنت تريد تحسين لغتك ، خصص وقتًا يوميًا لذلك .
♣ إذا كنت تريد دخول مجال جديد ، ابدأ بأساسياته .
لا تتعلم كل شيء ؛ تعلم ما ينفعك ، ثم واصل البناء خطوة بعد خطوة .
التعلم لا يرتبط بالعمر
قد يقول شخص : لقد كبرت، فاتني وقت التعلم . لكن التعلم ليس له عمر محدد .
قد يتعلم الإنسان وهو في العشرين . وقد يتعلم وهو في الأربعين . وقد يبدأ مهارة جديدة وهو في الستين أو أكثر .
المهم ليس العمر.
المهم هو الرغبة والاستمرار .
فقد يكون الإنسان كبيرًا في السن ، لكنه يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا .
وقد يكون شابًا ، لكنه توقف عن التعلم منذ سنوات .
إذن الشباب الحقيقي ليس فقط في العمر . بل في الاستعداد للتعلم والتطور ♦
التعلم اليوم أصبح أقرب من أي وقت مضى .
في الماضي، كان الإنسان يحتاج إلى السفر أو شراء الكتب أو الالتحاق بمؤسسة تعليمية لكي يتعلم أشياء كثيرة .
أما اليوم ، فقد أصبحت المعرفة أقرب إلينا .
هاتف في يدك يمكن أن يكون نافذة على العالم .
الإنترنت يوفر لك مصادر تعليمية كثيرة.
والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدك في شرح المفاهيم وتبسيطها وتنظيم رحلة التعلم .
لكن وجود هذه الوسائل لا يعني أنك تعلمت.
فالمعلومة الموجودة أمامك لا تصبح معرفة حقيقية إلا عندما : تقرأها ، تفهمها ، تطبقها ، تراجعها ، ثم تستعملها .
وهنا نعود إلى فكرة المقال الأول : ابدأ من حيث أنت .
لا تنتظر أن تصبح الظروف مثالية .
ابدأ بما تملك .
التعلم بدون تطبيق لا يكفي .
يمكن للإنسان أن يشاهد عشرات الدروس، ويقرأ عشرات الكتب ، ويحفظ الكثير من المعلومات ، لكنه لا يتغير في حياته .
لماذا ؟
لأن المعرفة وحدها لا تكفي .
♣ إذا تعلمت البرمجة ، حاول أن تكتب برنامجًا .
♣ إذا تعلمت لغة ، تحدث بها .
♣ إذا تعلمت التسويق ، جرب تسويق منتج .
♣ إذا تعلمت مهارة جديدة ، استعملها في مشروع أو عمل .
فالهدف من التعلم ليس أن نجمع المعلومات فقط . بل أن نحول المعرفة إلى قدرة ، والقدرة إلى عمل .
ماذا يحدث عندما تتوقف عن التعلم؟
عندما يتوقف الإنسان عن التعلم ، قد يصبح معتمدًا على ما يعرفه فقط .
لكن ما يعرفه اليوم قد لا يكون كافيًا غدًا .
وهنا تكمن المشكلة : ليس لأن ما تعلمه أصبح بلا قيمة ، وإنما لأن الحياة أضافت أشياء جديدة .
لذلك لا ينبغي أن نقول : ما تعلمته في الماضي لا قيمة له .
بل نقول : ما تعلمته في الماضي هو أساس ، وما تتعلمه اليوم هو البناء الجديد فوق ذلك الأساس♦
اجعل التعلم عادة صغيرة .
لا تحتاج إلى خمس ساعات يوميًا حتى تبدأ .
يمكنك أن تبدأ بعشرين دقيقة . أو نصف ساعة .
المهم هو الاستمرار.
خصص وقتًا ثابتًا . تعلم شيئًا واحدًا . طبق ما تعلمته .
وفي نهاية كل أسبوع اسأل نفسك : ماذا تعلمت هذا الأسبوع ؟
وبعد سنة ، ستتفاجأ بكمية المعرفة والمهارات التي اكتسبتها .
فالتقدم الكبير غالبًا لا يأتي من خطوة واحدة ضخمة ، بل من خطوات صغيرة تتكرر باستمرار.
التعلم استثمار لا ينتهي
يمكن أن تخسر مالًا .وقد تتغير ظروف العمل . وقد تتغير التكنولوجيا .
لكن المهارة التي تعلمتها ، والخبرة التي اكتسبتها ، وطريقة التفكير التي طورتها ، تبقى جزءًا منك.
ولهذا فإن الاستثمار في النفس من الاستثمارات التي ترافق الإنسان أينما ذهب .
كل معلومة نافعة تتعلمها ، وكل مهارة تتقنها ، وكل تجربة تفهمها ، يمكن أن تضيف شيئًا إلى مستقبلك .
ماذا تفعل ابتداءً من اليوم؟
لا تجعل هذا المقال مجرد فكرة جميلة .
جرب شيئًا بسيطًا :
♠ اختر مهارة واحدة تريد تعلمها.
♠ حدد لها وقتًا يوميًا ولو كان قصيرًا.
♠ استخدم الإنترنت والكتب والدورات والذكاء الاصطناعي كمساعدين .
♠ طبق ما تتعلمه .
♠ وسجل تقدمك.
وبعد شهر ، انظر إلى نفسك واسأل : ماذا تغير في معرفتي وقدرتي ؟
ستكتشف أن التعلم المستمر ليس شعارًا . إنه ممارسة يومية ♦
الخاتمة .
التعلم ليس مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة . التعلم رحلة تبدأ مع الإنسان منذ طفولته ، وتستمر ما دام قادرًا على السؤال والتفكير والتجربة .
نتعلم لأن التعلم من طبيعتنا. ونتعلم لأن العالم يتغير من حولنا .
ونتعلم لأن الإنسان الذي يطور نفسه يكون أكثر قدرة على التكيف مع الحياة .
ونتعلم لأن أفضل استثمار يمكن أن نقوم به هو الاستثمار في أنفسنا .
لذلك لا تقل : لقد فاتني وقت التعلم .
ولا تقل : أنا لا أعرف من أين أبدأ .
ولا تقل : ليس لدي الوقت .
ابدأ بمهارة واحدة .
ابدأ بعشرين دقيقة .
ابدأ من حيث أنت .
ثم استمر .فكل يوم تتعلم فيه شيئًا جديدًا ، أنت لا تضيف معلومة فقط ، بل تبني نسخة أفضل من نفسك .
قال الله تعالى :
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد علّمنا أن نسأله الزيادة من العلم، فلتكن المعرفة والتعلم طريقًا مستمرًا في حياتنا.
تعلم اليوم، لتكون أقدر غدًا.
بقلم: ميمون قياوي
أكاديمية قياوي للتعليم والتكوين – Qiyaoui Academy



السلام عليكم، منشور تحفيزي و تنويري بامتياز ، اشكرك الاستاد المحترم السيد ميمون قيوي على مجهوداتك الجبار لاعداد هده الجوهرة التي يجب على كل منهاون و متكاسل ان يقرىه بتمعن
السلام عليكم، منشور تحفيزي و تنويري بامتياز ، اشكرك الاستاد المحترم السيد ميمون قيوي على مجهوداتك الجبار لاعداد هده الجوهرة التي يجب على كل منهاون و متكاسل ان يقرىه بتمعن